الشريعة وتصحيح النظرة المشوهة للمال
اهتم الإسلام بموضوع المال، وسماه القرآن خيرًا، وركز على وظيفته الاجتماعية، فعن عمر قال: كان النبي يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر مني، حتى أعطاني مرة مالًا، فقلت: أعطه أفقر مني، فقال النبي : «خذه فتموَّله، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف، ولا سائل، فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك» [متفق عليه، رواه البخاري، (7163)، ومسلم، (2453)].
ولأهمية المال قال يوسف لعزيز مصر: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]، (فهو قد طلب أهم ما يتوقف عليه إدارة الملك وسياسته وتنمية العمران، وما أضاع ملك المسلمين وغيرهم من الشرقيين في هذه القرون الأخيرة إلا الجهل والتقصير في إدارة النظام المالي وتدبير الثروة وحفظها سواء في ذلك الدولة والأمة) [مجلة المنار، رشيد رضا، (35/17)].
ليس من الإسلام في شيء أن يتحول المسلمون إلى أصحاب الحظ الأدنى، وأصحاب اليد السفلى، وإن السَّرف وعدم الاهتمام بالمال لا يصلح عليه دين ولا دنيا: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29].
جمع الغرب في القرون الأخيرة ثروات هائلة، جمعها من طرق صحيحة كالتجارة والصناعة، ومن طرق أخرى كالسلب والنهب من ثروات الأمم في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، ثم استثمر هذه الثروة وأقام عليها دنيًا قوية ومؤسسات عملاقة جعلته يتغلب على بقية الناس ويتسلط على المسلمين، وعندما يرى المسلم الضعيف هذه الحالة يقول من باب التعويض النفسي (لهم الدنيا ولنا الآخرة).
الإسلام لا يبيح لأتباعه نهب ثروات الأمم كما فعل الغرب، ولكن الإسلام يحث على الاستفادة من المال في سبيل الخير، وفي الحديث عن رسول الله : «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» [متفق عليه، رواه البخاري، (2277)، ومسلم، (12)]،«واليد العليا خير من اليد السفلى» [متفق عليه، البخاري، (1429)، ومسلم، (2432)].
ولكن المسلمين في حالة من التقهقر الحضاري، رجعوا إلى التبذير والسفه؛ حيث لا يقدر المال وينفق في الأغراض الخاصة، وفي الشهوات والمظاهر الفارغة، وحب السمعة والجاه، ولا يستخدمون المال في النفع العام وتقوية جبهة الإسلام. جاء في كتاب شذرات الذهب: (ويقال أن المنصور العباسي خلَّف في الخزائن مئة ألف ألف [مئة مليون] دينار، وستين ألف ألف درهم، ففرقها المهدي [ابنه والخليفة من بعده] ولم يل الخلافة أحد أكرم منه ولا أبخل من أبيه) [شذرات الذهب، ابن العماد، (2/306)].
فلننظر إلى هذا التقويم العجيب، الخليفة الحازم المدبر للدولة يسمى بخيلًا عند هؤلاء، فكيف تتراكم الثروة وتكون الدولة قوية وتؤسس المشاريع، إذا كان المال يهدر على طريقة المهدي.
هل يطلب الفقر؟
يقول العلامة ابن الوزير: (وحيث يرد الذم على حب الدنيا مطلقًا أو عامًا، فالمراد به: حب الحرام من الدنيا والإعراض عن الدين، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله أنه كان يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» [رواه مسلم، (7079)]، ولو كان الغنى نقصًا في الدين، وحبه رذيلة لا يليق بالمؤمنين لم يسأل رسول الله ولا امتن الله عليه في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8].
وقد استعاذ رسول الله من الفقر، وأما حديث «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» [متفق عليه، رواه البخاري، (6460)، ومسلم، (2474)] فقد فسره النووي بسد الرمق، وليس كذلك، وإنما القوت: كفاية الحاجة) [العواصم والقواصم في الذب عن أبي القاسم، ابن الوزير، (8/190-195)].
فالفقر لا يمدح ولا يطلب، وقد جعله الله عقوبة لبعض الأمم ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]، وجعل الله الخير مكافأة على الاستقامة ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16].
وإذا اختار بعض من يتصدى لإرشاد الناس حالة شظف العيش ليكون حاله عزاء للفقير والبائس، فهذا شيء والأصل الذي ذكرناه من القرآن والسنة شيء آخر.
ويقول الشيخ رشيد رضا: (فليس من هدي الإسلام أن يترك المسلمون الدنيا ومعايشها وسياستها، ويكونوا فقراء أذلاء، تابعين لغيرهم من الأقوياء، ولا أن يكونوا كالأنعام لا هم لهم إلا في شهواتهم البدنية) [تفسير المنار، رشيد رضا، (1/118)].
قيمة الكسب والعمل:
هذه النظرة المشوهة للمال، والاعتقاد بأن الدنيا ضرة الآخرة جعلت بعض الناس لا يقدرون قيمة العمل، ولا يهتمون بالكسب، ففي حالة التخلف والاستبداد قد يأتي المال من خلال الجاه كما يعبر ابن خلدون، أو من خلال القرب من أهل الجاه، فلماذا التعب، وربما يأتي من خلال الدفائن والكنوز التي يحلم بها البطالون الذين يبحثون عنها عن طريق السحر، ويعتقدون أن الأمم السابقة دفنت كنوزها في أمكنة معينة، فهؤلاء العاجزون عن العمل وطلب الرزق من أسبابه المعروفة يريدونه عن طرق الوجوه المنحرفة، كما تفعل بعض الدول اليوم في الاهتمام بالسياحة المحرمة، ولا يهتمون بالزراعة أو الصناعة أو أي نوع من أنواع التنمية.
وهكذا كان ديدن الوعاظ والخطباء، يزهدون الناس في الدنيا ولا يدركون أن هذا الكلام يجب أن يوضع في موضعه المناسب، ويعرض في وقته المناسب، وبطريقة تعلم الناس كيف يجمعون بين الدنيا والآخرة، فلا ينهمكون فيها، ولا يبتعدون عنها غاية الابتعاد، بل يكونون من الصنف المتوسط يوفون الدارين حقهما، وهو منهج الأنبياء لأن الله بعثهم لإقامة مصالح المعاد والمعاش.
هذه النظرة الخاطئة للكسب والعمل حملت الإمام محمد بن الحسن الشيباني على تأليف كتابه "الكسب"، بين فيه أهمية العمل والأدلة على ذلك، وصحح المفهوم الخاطئ عن الزراعة، وأن ذمها إنما يكون إذا اشتغل الناس بها وأعرضوا عن العلم، وعن الجهاد حتى يطمع فيهم عدوهم.
وكتب أبو بكر الخلال كتاب "الحث على التجارة" ولكن الذي ركز على أهمية العمل، وأنه هو الكسب الحقيقي، وأنه لا يحصل شيء للإنسان بغير سعي، هو المؤرخ ابن خلدون، الذي تحدث عن الصنائع وارتباط الفكر باليد لاكتساب المهارة في الحرف، وانتقد المجتمع العربي الذي ابتعد عن الصنائع لغلبة البداوة عليه، ولذلك نرى هذا المجتمع يعتمد على ما يجلب إليه من الأقطار الأخرى.
كما انتقد احتقار بعض الناس للمهنة والحرف اليدوية، ولاشك أن ابن خلدون استمد هذه النظرة، وهذا الاهتمام البالغ بالعمل، استمدها من القرآن والسنة وسيرة الرسول وأصحابه، فقد رفع القرآن من قيمة العمل إلى أن قرنه بالجهاد: «وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [المزمل: 20]، وفي السيرة النبوية نجد الرسول يحدث عن نفسه قبل النبوة أنه كان يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة.
كان هذا التوازن بين الدنيا والآخرة واضحًا عند الجيل الأول، جيل الصحابة رضوان الله عليهم وجيل التابعين، وكانوا على علم أن الأمثلة التي ضربها القرآن للدنيا لا تعني تركها أو احتقارها والابتعاد عنها، إنما الذي استقر في أذهانهم وعقلوه من التنزيل الكريم أن يكون التوجه الأول للآخرة وأن يكون الهدف الدائم للعمل هو للدار الآخرة فالدنيا خادمة للدين، وكيف يحتقرونها وفيها يتحقق التمكين للدين، وفيها تقام الشعائر والشرائع، وفيها يكون الجهاد في سبيل الله.
وقد كان الصحابة كما يقول الإمام الشاطبي: (بين عامل في سوقه، وعامل في أرضه، ومسافر يبتغي فضل الله، وكان الغنى من مقاصدهم، والتكسب من شأنهم) [بدائع السلك في طبائع الملك، ابن الأزرق، (2/398)]؛ فالأجيال الأولى كانت متوحدة الشخصية، ولم يحدث الانفصام الذي طرأ بعدئذ.
المصدر: موقع لواء الشريعة.
|