الأخبار | 
الرئيسية كتب شرح العقيدة الطحاوية
عدد القراء 1164
(ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- معترفين وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين )

الشرح :

هذا فيما يتعلق بمسألة الأسماء والأحكام .
قوله : ( أهل القبلة ) من دان بدين النبي -صلى الله عليه وسلم- وصلى إلى القبلة , ثم من دخل في الإسلام فهو من أهل القبلة , كما جاء في الأثر : « من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا » (1) .
ومسألة من هو المسلم الكلام فيها طويل , الآن المسلمون في العالم يقولون إن تعدادهم مليار , إذاً المسلمون ألف مليون مسلم , لكن المسلم ليس هو من يدعي الإسلام فقط , وليس هو من في حفيظته أو جوازه مسلم , بل المسلم هو من أدى أركان الإسلام وأركان الإسلام هي الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام .

هذه الأركان الخمسة هي علامة المسلم , من أتى بها فهو المسلم كما في حديث جبريل الطويل لما سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال أخبرني عن الإسلام , ما معنى الإسلام , أخبرني عن الأمر الذي إذا فعله الإنسان صار مسلماً , فقال عليه الصلاة والسلام : « الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت » (2) هذا هو المسلم , إذا لم يفعل مع هذه شيئاً ينقض إسلامه , ولا نقول من أتى بهذه كلها فهو مسلم دائماً , فقد يكون يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت ولكنه كافراً , بمعنى أنه قد يفعل شيئا من المكفرات , وإذا فعل شيئا من المكفرات كفر , ولو كان يأتي بأركان الإسلام .
لأن هذه الأركان ثبوتها للإنسان له ضوابط وله شروط , والنبي -صلى الله عليه وسلم- علق عصمة دم المرء المسلم بأركان الإسلام (3) , كما قال عليه الصلاة والسلام في إحدى روايات الحديث قال : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة » (4) ولم يقل : أمرت أن أقاتل الناس حتى يكتبوا في حفائظهم أو هوياتهم ( مسلم ) .
وإن كان سواد المسلمين كثيراً إلا أنهم قليل , لأن هناك من يصلي ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت ولكنه يحكم بالقانون – يحكّم الطاغوت – يجعل الدستور الذي يسير عليه في حكمه هو القوانين وهذا كافر .

فمن حكم القوانين الوضعية وظن أنها تقوم مقام حكم الله ورسوله فهو كافر حتى لو صلى وصام وشهد أن لا إله إلا الله , وهذا البلاء والعياذ بالله عام في حكام المسلمين , كل حكام المسلمين يحكمون بالقانون , لكن منهم من يطبق القانون في كل شيء ما عدا مسائل تعد على الأصابع مثل الأحوال الشخصية كالنكاح وغيره , بل حتى الطلاق يطبقونه على القانون , ومنهم من يحكم الشريعة الإسلامية في بعض مجالات الحياة ويحكم القانون في الكثير , تجد الحاكم مسلماً يصلي ويصوم ولكنه يضع للعمال محكمة قانونية يتحاكمون إليها ويضع لفضّ النزاع والمخاصمات التجارية محكمة يتقاضون إليها , ويمنع قضايا من أن تحال إلى المحاكم الشرعية , فيمنع أن تحيل قضية من قضايا البنوك أو من قضايا المصارف أو من قضايا العمال أو غير ذلك – يصدر قوانين بمنعها من إحالتها إلى المحاكم الشرعية , لكنه يدع الأمر إذا اعتدى إنسان على إنسان بضرب أو بمال أو بنحو ذلك , وما يمانع أن يحال إلى المحاكم الشرعية .
الحاصل أن من حكام المسلمين من يحكمون القوانين مطلقاً ومنهم من يحكم القوانين في معظم أموره ويحكم المحاكم الشرعية في بعض المسائل التي تقع بين الناس , والمكفرات كثيرة .
وقوله : ( مسلمين مؤمنين ) هذا على أصل المؤلف رحمه الله , فإنه من مرجئة الفقهاء لا فرق عندهم بين الإسلام والإيمان , لأن الإيمان التصديق فلا يجعلون العمل داخلاً في مسمى الإيمان , ولهذا المسلم مؤمن كامل الإيمان ولو كان مقصراً عاصياً , ولا يختلف الناس عندهم في الإيمان , إنما الاختلاف في التقى والفضل ,كما سيأتي قول الماتن ( وأهله في أصله سواء )(5) أي في الإيمان , فأصل الإيمان عند الناس سواء كلهم واحد .
والراجح في مذهب أبي حنيفة في مسمى الإيمان أنه التصديق فقط , وهو شيء واحد وجزء لا يتجزأ , لكن لما كان التصديق لا يعرف إلا بالنطق باللسان قالوا : النطق باللسان ركن وليس جزء من الإيمان (6) , لأنه لا يُعرف هل هو مصدق بالله أو ليس بمصدق , أما العمل عندهم فإنه أطلق على الإيمان مجازا .
وهم بهذا لا يُخرَجون عن أهل السنة , لأنهم يرون وجوب العمل , فيرون وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج , ويرون أنها يعاقب عليها تاركها في الدنيا والآخرة لكنهم لا يسمونه إيمانا فلا يسمى تاركها كافرا بل مؤمنا .
أما تارك الصلاة عند الإمام حنيفة رحمه الله لو تركها عمداً بدون عذر فإنه لا يقتل بل يحبس حتى يتوب ويصلي أو يموت , هذه عقوبته , أما الأئمة الثلاثة فغير خافٍ أنهم يوجبون قتل تارك الصلاة سواء أكان قتله حداً كما يراه الإمام مالك والشافعي أو ردة وكفراً كما هو مذهب أحمد رحمه الله وكثير من السلف .
الحاصل أن جمهور أهل السنة والجماعة لا يسمون المسلم مؤمناً دائماً بل قد يكون مسلماً كامل الإيمان وقد يكون مسلماً ناقص الإيمان .
والإسلام له تعريف في اللغة وله تعريف في الشرع .
فتعريفه في اللغة : الذل والخضوع .
وتعريفه شرعا : فهو مع الذل والخضوع – امتثال الأوامر واجتناب النواهي , كما قال عليه الصلاة والسلام : « ما منكم إلا وله قرين من الجن وقرين من الملائكة » , قالوا : وإياك يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : « وإياي , إلا أن الله أعانني عليه فأسلم »(7) .
لأجل الفرق بين المعنى اللغوي للإسلام والمعنى الشرعي للإسلام اختلف شرّاح الحديث في معنى ( أسلم ) , فمنهم من قال : أي استسلم لي وخضع وذل , ومنهم من فسره بالإسلام الشرعي أي فدخل في الإسلام , قالوا : ويؤيد هذا قوله : « فلا يأمرني إلا بخير » وأظن فيه رواية بالضم ( فأسلمُ ) ذكرها – أظن – عياض في شرح صحيح مسلم , وإلا فمعظم الروايات ( فأسلمَ ) أي فاستسلم وذل وخضع , ولكن : ( فأسلمُ ) هذه تبين أنه يسلم من قرينه لا أن قرينه دخل في الإسلام .
ويبين لك الفرق بين الإسلام والإيمان قوله سبحانه وتعالى : ﴿ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا فبين أن الإسلام اللغوي غير الإيمان : ﴿ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا أنتم لم تؤمنوا بعد ولكن قولوا : استسلمنا وخضعنا وذللنا وأنقدْنا فقط .
ويأتي الكلام على الإيمان في موضوعه إن شاء الله في بيان حقيقة الإيمان والفرق بين اللغوي والشرعي واختلاف العلماء في حقيقته ومذاهبهم .
قوله : ( ما داموا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- معترفين ) , الاعتراف غير التصديق , الاعتراف يعنى انه يعرف ذلك ويعترف و يقر به , فإن الإنسان قد يعرف الشيء وينكره يجحده , والتصديق : إذا كان مصدقاً بالشيء فهو عارف به .
وقوله : ( وله بكل ما قال وأخبر مصدقين) هم معترفون بصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- معترفون بأن ما قاله حق , ويصدقونه في أخباره وأحكامه , وقد يكون معنى معترفين و مصدقين متقارب .
ولو قال : عارفين لكانت هي التي يفسر الجهم بن صفوان وأتباعه الإيمان بها , يقول : الإيمان هو المعرفة فقط , إذا عرف الإنسان ربه فهو مؤمن كامل الإيمان حتى لو كفر بالله وحتى لو أنكر الشرع وأنكر كل شيء , ما دام عارفا فهو مؤمن إيماناً تاما .

(ولا نخوض في الله ) .

الشرح :

الخوض معناه الشك والريب والاختلاف والمخاصمة والمنازعة , وهذا يعني أننا لا نتمحل في الجدال والمراء مع الآخرين فيما يتعلق بذات الله سبحانه وتعالى , بل نؤمن به وننزهه عن كل مالا يليق به , ونثبت له ما يستحقه من الكمال , ولا نقول إنه ليس بكذا ولا كذا ولا فوق العالم ولا تحت العالم ولا كذا كذا , يعني لا نخوض في الله في كلام يلزم عليه ضلال أو ابتداع أو فساد , فنقتصر في الكلام في الله وأسمائه وأفعاله وذاته على ما ورد في القرآن والحديث ولا نخوض كما خاض فيه الأعداء من جهمية ومعتزلة وغيرهم , الذين دخلوا في متاهات هلكوا وضلوا فيها , كاستعمالهم السّلوب المفصلة والفلسفة التي ليس لها نهاية , بل نهايتها الضلال ونهايتها العدم , لا نكون كهؤلاء بل نسلم لله ولرسوله من غير إن نجادل أو نماري أو نخوض في ذلك .
ومعنى كلام المؤلف أنه يبرأ من الجهمية والمعتزلة و الأشاعرة وغيرهم .

( ولا نماري في دين الله ولا نجادل في القرآن )

الشرح :

المراء معناه الجدال الذي يقصد منه الانتصار للنفس أو الانتصار للمذهب الضال أو الباطل أو المبتدع , كل هذا لا نماري فيه ولا نجادل , والمراء لا يكون إلا باطلا .
والجدال قد يكون بحق كما قال تعالى : ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم , وقد يكون باطلا إن كان من باب المراء والتعمق والتنطع والتقعر والانتصار للمذهب .

أما الجدل ففيه تفصيل , وخلاصة التفصيل إن كان الجدل المراد به التمحل والتعصب للرأي والمراء والظهور على الخصم سواء أكان حقاً أو باطلاً فهذا ممنوع شرعاً ولا يجوز , وإن كان المراد به هو المناقشة بقضية من القضايا والتّحاج فيها , كل واحد من المتعارضين في الرأي يحتج على رأيه حسب ما يرى أنه حق إذا كان غرض المتجادلين كليهما إظهار الحق وإحقاقه إذا لم يصحب الجدال سب أو شتم أو تكبر على الآخر فهذا جائز كما قال تعالى : ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم كأنه يقول : جادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن ولا تجادلوهم بالطرق الأخرى , فكذلك أخوك المسلم من باب أولى أن يكون جدالك معه هو طلب لإظهار الحق وإحقاقه , وبعض المتجادلين يحاول إظهار رأيه ومسلكه ومنهجه وظهوره على خصمه سواء أكان حقاً أو باطلاً وهذا لا يجوز , لأن هذا تعدٍ على الغير والتعدي ممنوع لا يجوز , يعني كونك تحاول أن تظهر على أخيك بحجتك إن كنت في خصومة أو بدليلك وتأييد قولك إن كنت مجادلاً وأنت تعلم إن ذلك ليس بحق أو تعلم أنك غير محق فهذا لا يجوز كما قال عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالخصومات : « إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها » (8) , يقول عليه الصلاة والسلام قد يكون أحدكما أيها المتخاصمان أفصح من الآخر وأقدر على الكلام والإقناع , فلا يغره ذلك ويظن أن فعله ذلك يحلل له ما أحكم به له فإنما أقطع له قطعة من نار فليأخذها أو ليدعها , وكما قال عليه الصلاة والسلام : « إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم » (9) , يعني الّلسِن القادر على الظهور على خصمه ولو باطلاً .

قوله : (ولا نجادل في القرآن ) يحتمل أنه يريد لا نجادل في القرآن أي هل هو مخلوق أو غير مخلوق , وهل هو اللفظ والمعنى أو المعنى دون اللفظ أو ما أشبه ذلك .
ويحتمل أنه بمعنى ألاّ نعارضه ونلتمس الأمور التي تكون متعارضة معه في الظاهر كما يفعله أعداء الإسلام من علمانيين وغيرهم .
ويحتمل أنه يريد ألا نجادل في القرآن أي لا نماري فيه ونلتمس الأمور التي نجعلها كمعارضة للقرآن , والملاحدة معروف أنهم يعارضون القران ويلتمسون ذلك من كل حدب وصوب , كما نقل عن أبي العلاء المعري الذي عارض قطع اليد بقوله :

يد بخمس مئين عسجد وديت                                         

 

ما بالها قطعت في ربع دينار                                        

تناقض ما لنا إلا السكوت له                                         

 

وأن نعوذ بمولانا من النـار (10)                                        

وهذا من الجدال الذي نهى عنه أو نفاه المؤلف .

(ونشهد أنه كلام رب العالمين )

الشرح :

هذه العبارة كل المسلمين يقولونها , الجهمية المعتزلة الأشاعرة أهل السنة والجماعة كلهم يقولون نشهد أن القرآن كلام الله , لكن هل معنى كلام الله أي تكلم به سبحانه وتعالى بحرف وصوت وسمع منه , أو أنه كلام الله بمعنى أنه مخلوق من مخلوقات الله كما تقول الجهمية والمعتزلة .

الجهمية والمعتزلة يقولون القرآن كلام الله لكن يعنون بذلك أنه كلامٌ خلقه الله , كما تقول : عباد الله وكما تقول أرض الله وكما تقول بيت الله وكما تقول ناقة الله يعني أنه مخلوق خلقه الله , أي إضافة مخلوق إلى خالقة , وهم يعبرون بهذه العبارة , لكن يفسرونها بما لا يليق وبما لا يتفق مع ما يراه أهل الحق وأهل السنة والجماعة .

والأشاعرة والكلابية والماتريدية يقولون القرآن كلام الله , ويعبرون بعبارة المؤلف أنه كلام الله لكنهم يعنون بذلك أن معنى القرآن هو كلام الله , أما الحروف والأصوات فإنها مخلوقة , لكن هل كلام الله عندهم اللفظ والمعنى والحروف والأصوات , أو كلام الله بعض ذلك ؟ يقولون كلام الله بعض ذلك , المعنى القائم بذاته سبحانه وتعالى هو الكلام , أما ما سمعه النبي -صلى الله عليه وسلم- من جبريل فهو كلام جبريل , اللفظ لفظ جبريل والأصوات أصوات جبريل والحروف التي صدرت عن جبريل , ويقولون إن الله لا يتكلم بكلام يسمع , وهذا باطل لأنه يعارض كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
وأما أهل الحق فإنهم يقولون القرآن كلام الله كما قال المؤلف رحمه الله , ويعنون بذلك اللفظ والمعنى والحرف والصوت , كما قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( هو كلام الله حروفه ومعانيه ليس الكلام الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف ) (11) , فليس الكلام الحروف دون المعاني كما يدعيه قوم , أو حروف وأصوات خلقت في الأزل , ولا المعاني دون الحروف كما تقوله الأشاعرة ومن وافقهم , بل الكلام كله معناه ولفظه وأصواته وحروفه كلها كلام الله .
والقرآن أبدى وأعاد في هذا المعنى كما قال عز وجل : ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله , وكذلك قوله : ﴿ فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه وقوله : ﴿ وكلم الله موسى تكليما , وكذلك في سورة الفتح آيات تدل على هذا وهي صريحة في الدلالة كما قال عز وجل : ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام الله والنبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر ذلك صريحاً في مواضع كثيرة كما في حديث عبدالله بن أنيس أنه قال « يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرْلا بهما, فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديّان » (12) , فذكر النداء والصوت ولم يقل إنه يفهم جبريل ما في نفسه فيتكلم جبريل , وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- : « إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله » (13) .

فالقرآن والسنة كلاهما مملوءان من النصوص الصريحة الصحيحة التي لا تحتمل إلا أن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود وأنه منزل غير مخلوق , وهذا مذهب سلف الأمة ما عدا ما ذكر من الفرق الضالة التي انحرفت عن هذا المنهج كالجهمية والمعتزلة , وهؤلاء الرد عليهم وإفحامهم واضح .
كما فعل ذلك عبد العزيز الكناني رحمه الله عندما قال للمريسي :
أنت تقول إن الله خلق كلامه . قال نعم .
قال : اجبني عن أمور ثلاثة لا رابع لها :
إذا سلمنا لك جدلاً أنه خلق كلامه , هل خلقه في ذاته الكريمة , أو خلقه في مكان غير ذاته الكريمة , أو خلقه لا في مكان , ولا هناك قسم رابع ؟
وهذه كما تعلمون طريقة من طرق الجدل والمناظرة تسمى بالسبر والتقسيم , والقسمة هنا عقلية صحيحة , فلما أفحمه وألقمه الحجر قال المريسي :
أقول : خلقه كما يخلق الأشياء .
قال : لا بد أن تجيبني بواحد من هذه الأمور الثلاثة وإلا فأنت انقطعت .
فقال : أنا أقول خلقه كما يخلق الأشياء .
فقال المأمون يا عبد العزيز : انقطع المريسي , لكن اشرح لنا كلامك هذا .
فقال يا أمير المؤمنين : لو قال خلقه في ذاته الكريمة لكفر لأن المسلمين مجمعون بأن الله سبحانه وتعالى لا يكون محل الحوادث , وأن من قال ذلك فهو كافر , ولو قال خلقه في مكان آخر لطالبناه بالفرق بين كلام الله وكلام الإنسان ونبيح الكلاب ونهيق الحمير ونحو ذلك لأن كلها أصوات خلقها الله في ذوات أخرى أو في أمكنة أخرى , فأي فرق بين كلام الله وبينها , وأي ميزة لكلام الله عليها , ولو قال : إن الله خلقه لا في مكان ولا أظنه يقوله لأن العقلاء مجمعون على أن كل مخلوق لا بد أن يكون له مكان وليس هناك مخلوق لا يكون في مكان , فانقطع المريسي بهذه الطريقة (14) .
الحاصل أن بيان حقيقة كلام الله سبحانه وتعالى للناس فيه عدة أقوال :
القول الأول : مذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى الذين اتبعوهم , هؤلاء يقولون إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود , والقرآن هو كلام الله معنى ولفظاً وحروفاً وأصواتاً , ومن أدلتهم ما سبق .
القول الثاني : قول الأشاعرة والكلابية و الماتريدية , يقولون إن كلام الله المراد به والمنسوب إليه هو عبارة عن المعنى القائم بنفسه , يقولون إذا أراد الله استفهاماً أفهم جبريل أنه يريد ذلك فتكلم به , وإذا أراد الله أمراً أفهم جبريل أنه يريد ذلك فتكلم به , وإذا أراد الله نهياً أفهم جبريل أنه يريد ذلك فتكلم به , ويستحيل على الله أن يتكلم بكلام يسمع , يقولون لأن الكلام يحتاج إلى أسنان ويحتاج إلى شفتين ويحتاج إلى حلق ويحتاج إلى كذا ويحتاج إلى كذا وهذه خاصة بالمخلوقين .
ولكن هذه الشبهة التي يلبسـون بها على الناس أجاب علماء السلف عنها بقولهم :
إن الكلام الذي يحتاج إلى هذه الأمور هو كلام المخلوق أما كلام الخالق سبحانه وتعالى فإن كلامه لا يحتاج إلى هذه الأمور , فهو يتكلم بأي طريقة أرادها .
وأيضاً فإنه يمكن صدور الكلام بدون هذه الآلات كلها في المخلوقات , فمثلاً قوله تعالى : ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين قالتا , فهل للأرض لسان وأسنان وشفتان وحلق , وهل للسماء شيء من ذلك , وكذلك أشياء أخرى تكلمت مثل الجذع الذي تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- لما فقده حن له (15) , والجذع ليس له هذه الآلات , وعلى كل فكثير من المخلوقات أخبر الله عنها ورسوله أنها تقول وتتكلم ومع هذا ليس لها هذه الآلات , فقولهم لا يجوز على الله الكلام لأنه يلزم عليه هذه الأمور قول باطل :
أولاً : لأن الله لا يقاس بخلقه وإن كان المخلوق محتاجاً إلى مثل هذا .
وثانياً : أن هناك مخلوقات يمكن منها الكلام من غير أن تكون لها هـذه الآلات .

( نزل به الروح الأمين فعلمه سيد المرسلين محمداً -صلى الله عليه وسلم-)

الشرح :

نزل به الروح الأمين جبريل عليه الصلاة والسلام فعلمه سيد المرسلين محمداً -صلى الله عليه وسلم- .
وطريقة الوحي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مختلفة ليست هي بطريقة واحدة , جبريل يأتي تارة في صورة رجل ويبلغه الوحي , وتارة ينفث في روعه الكلام , وعلى كل فالوحي له عدة طرق وقد تكلم عليها السيوطي كلاما جيداً في الإتقان بطريقة مفيدة جداً , وكتاب الله سبحانه وتعالى بين أن جبريل نزل به على النبي -صلى الله عليه وسلم- : ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين وقال ﴿ علمه شديد القوى وذكر أنه قول جبريل في بعض الأحيان ﴿ إنه لقول رسول كريم ذي قوة بمعنى أنه جاء به للنبي -صلى الله عليه وسلم- وبلغه إياه قولاً , أي كلمه مشافهة , والفرق بين هذه الآية وبين آية الحاقة ﴿ إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون المراد بالرسول هناك محمد -صلى الله عليه وسلم- , والمراد به هنا في سورة التكوير جبريل , وعلمه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأي طريقة من طرق الوحي .

( وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين , ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين )

الشرح :

نعم ، لأن من قال بخلق القرآن فهو مخالف لجماعة المسلمين مخالف لأهل السنة والجماعة , والسلف الصالح الذين منهم الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون لهم بإحسان , والمؤلف يرى أن القول بخلق القرآن خرق للإجماع لأنه لا يَعتبر إجماع المعتزلة والجهمية .

===============
(1 رواه البخاري 391 والنسائي 4997 .
قال ابن سحمان رحمه الله معلقا على هذا الحديث : هذا فرضه ومحله في أهل الأهواء من هذه الأمة ومن لا تخرجه بدعته من الإسلام . الدرر السنية 10 / 431
2 رواه البخاري 50 ومسلم 9 .
3 سيأتي ص 156 الكلام على حل دم المسلم إذا أوجب الشرع ذلك , كما في حديث : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث .. الحديث .
4 رواه البخاري 25 ومسلم 22 .
5 انظر ص 140 .
6 يأتي مزيد بيان إن شاء الله ص 140 .
7 رواه مسلم 2814 وأحمد في مسنده 3648 وغيرهما .
8 رواه البخاري 2458 ومسلم 1713
9 رواه البخاري 2457 ومسلم 2668
10 قال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان 3 / 431 عن شعر المعري :
وللعلماء عنه أجوبه كثيرة نظماً ونثراً . منها قوله القاضي عبد الوهاب مجيباً له في بحره ورويه :
عز الأمانة : أغلاها ، وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
وقال بعضهم : لما خانت هانت . ومن الواضح : أن تلك اليد الخسيسة الخائنة لما تحملت رذيلة السرقة وإطلاق اسم السرقة عليها في شيء حقير كثمن المجن والأترجة ، كان من المناسب المعقول أن تؤخذ في ذلك الشيء القليل ، الذي تحملت فيه هذه الرذيلة الكبرى .
11 انظر العقيدة الواسطية في باب كلام الله تعالى .
12 ذكره البخاري في صحيحه معلقا بعد حديث 77 ووصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق 5/355 ورواه البخاري أيضا في خلق أفعال العباد ص 99 , ورواه في صحيحه بلفظ آخر 7483 , وفي الأدب المفرد 970 ورواه احمد في مسنده 16042 بسند حسن .
13 رواه البخاري 4800 وابن ماجه 194 .
14 ذكر الشيخ رحمه الله هذه القصة مختصرة مع شيء من الشرح , وتجد نصها في كتاب الحيدة لعبدالعزيز الكناني ص 126 تحقيق د. جميل صليبا .
15 رواه النسائي 1396 واحمد في مسنده 14142 وعبدالرزاق في المصنف 5254 بإسناد صحيح.)

استطلاع رأي

    هل تعتقد أن نظام العسكر في مصر أنهى ثورة يناير؟